صوت عربي جديد في أستراليا

ـ1ـ
الشاعر المبدع شربل بعيني..
أبداً يفتّش عن المرتفعات،
ويغوص في أعماق الوجود،
باحثاً عن الأماني والاحلام ليوقظها، ويبعث فيها النبض والحياة، وأين تكمن الآلام والجراح، ليصف لها الدواء، ويوقف أوجاعها ونزفها.
ـ2ـ
أبداً.. يعود الى المنابع الاصيلة ليغب من الراح والكوثر، ويصطفي منها القلائد والعقود الحية المضيئة المشرقة.
لا يقف عند الحدود التي رسختها أجيال المبدعين والملهمين، وانما يتجاوزها ويبني على شموخها تماثيل الجمال والابداع في رؤياه الجديدة.
يحب باخلاص ما بناه أهله فوق سطح المجرات.
ويبقى وفياً لهذا الاشعاع المنبعث من خيوط الشمس.
لأنه تعبّد في محراب الكلمة الصادقة، وعاش في دنيا الحرف العربي العريق في تاريخه وحضارته.
لا ينكر الذين سبقوه على دروب الخلود.
ولكنه يتخذ منهم مثالاً وريادة.
ويستشف من بريقهم الالوان والانغام الحلوة.
ويضيف اليها الفريد الجديد المطرّز بالحبكات المذهبة، والخيال الرائع، والبلاغة في المضمون والاشراق في المبنى.
ـ3ـ
أبداً.. يحمل هموم الانسان العربي في وطنه وفي غربته.
ولكنه لا يركع ولا ينحني.
وتعلو الابتسامة المضيئة وجهه.
وينتصب في الأعالي، ويحمل راية التجديد بيد قويّة، ويدعو الى الخير، والمحبة، والفضيلة، وشعاره "الانسان اخو الانسان".
ـ4ـ
شربل بعيني شاعر ملهم، ويحلم.
وهذه الأحلام الجارفة تغبّ من خوابي الفكر المتفتّح، وتنشر في كل منحنى اعلامها وقوافيها، فتأتي تارة غاضبة ثائرة، وطوراً هادئة مرشدة.
والذي ينهل من روح الحياة طموحه، ويستمد منها غذاءه وضوءه، تلازمه هذه الرؤى، في حلّه وترحاله، في يقظته ونومه، في سعادته وبؤسه، ويصبح الشاطىء الهادىء، او الصاخب الهادر، يغترف من موجاته المداد الذي يغذّي منه شعره، كي يزرع في حقل الكلمة الحلوة حبّات قلبه، وقطرات روحه، وانوار عينيه.
والشاعر لا يرويه العطاء الذي رسمه على القرطاس، ولا المداد الذي اصطفاه من المحابر، ولا تكفيه الباقات الوردية التي يقطفها من جنائن فنّه، بل يطمح الى النجوم ليأخذ من بريقها، ويقدّم الى المجتمع الانساني أنقى ما في الوجود من معانٍ وبينات، وآيات وقصائد، فيغني نشيده الخافقان، ويجلجل صوته في كل الأوطان.
وقد يفتر ثغره عن ابتسامة صفراء، أو يجنح به خياله الى السماك الأعلى، أو يصطدم بجدران يصنعها الحاسدون، ولكنه يبقى منارة للأجيال، ومعلماً بارزاً من معالم الحضارة والانسانية والآداب في محيطه الواسع.
ـ5ـ
وشاعر "الغربة الطويلة"، ابن مجدليا البار، شربل بعيني، يغترب من بلاد الأرز الخالد الى أستراليا، شاباً في مقتبل العمر، يغمره الأمل الباسم في حياته الجديدة في بلاد تعيش فيها الحريّة بأمان، وينعم مواطنها برغدة العيش وهناء الحياة. لذلك تنفّس في مغتربه الجديد الصعداء، بعد أن جار عليه حكام ذلك الزمن، ومنعوا هذا البلبل الغريد من أن ينشد تغاريده في عالم محكوم عليه بالظلم. 
وبدأ هذا الصوت الجديد في أستراليا يرتفع في أجوائها الحرة، ويعبّر عن الآلام الحبيسة الماضية، وينشرها بين اخوانه في اللغة والاغتراب، ويبرهن على انه يحمل رسالة الأدب والشعر والفن منذ الطفولة، وهاجر ليكمل هذه الرسالة في الأجواء الحرة، ويجمع نتاجه في الشعر والنثر، وفي المسرحية، وفي كل مناحي العلم والمعرفة، ويطبعها على نفقته الخاصة، حتى بلغت أكثر من خمسين كتاباً في كل المناحي الأدبية. ويصبح شربل بعيني من شعراء العربية العمالقة في المهاجر والوطن، وينال الأوسمة والجوائز المتعددة، ويرأس أمانة سر رابطة احياء التراث العربي، ويحقق نصراً أدبياً، وينشر لغة الضاد في أقصى المعمورة، ويعزّز اللغة العربية بكل ما فيها من روائع وجمال وحضارة.
ـ6ـ
وكأني بهذا الرائد العربي، لم يكتفِ بما قدّمه للأمة العربية، وللأجيال المغتربة، من زاد شهي في هذا الغذاء الروحي، بل طمح، والطموح سمة الرجال العظام الذين يعتبرون أن أمانيهم لا حدود لها ولا مساحات، فقاده طموحه الى خطوة جديدة، تحف بها المصاعب، الى اصدار مجلة أدبية شهرية أسماها "ليلى"، وهذا الاسم الجميل كان لحبيبة قيس بن الملوّح، وكان أجمل اسم غناه وديع الصافي، وتناقلته شفاه الشعراء والمطربين والمطربات، وعزفته موسيقى الشرق قاطبة.
ـ7ـ
هذه بعض المرايا التي يرى فيها الناس وجه الشاعر الذي يتألق في مساحات بعيدة من العالم، ويخصب في ثنايا الضمائر ثورة على الظلم والرجعية والأنانية، وايماناً بالمثل العليا.
ذلكم هو الشاعر العربي شربل بعيني.
**