خمس دراسات اصدرها الكاتب الاديب كلارك بعيني من القطر العربي اللبناني الشقيق، والمغترب في أستراليا، تحوي ثمرة أقلام الأدباء والكتّاب العرب في أستراليا، ورؤيتهم النقدية في شعر الشاعر العربي اللبناني المغترب في أستراليا شربل بعيني.
ولم تكن الغاية من هذه الدراسات الخمس، والسادسة سوف تخرج الى النور قريباً، التبشير بولادة شاعر عربي، أطلّ على الحياة من جبين الفجر في لبنان منذ عدة سنوات، وراح يصدح بشعره الغنائي بالفصحى والعامية، في ذلك المغترب النائي، وبتدفق الحنين الى الوطن من قلبه المدنف، واضعاً آلامه وشوقه في غربته عبر القصائد الرقيقة الشجية.
أجل، لم تكن الغاية من نشر هذه الدراسات، والانفاق عليها بسخاء، من أجل كتابة اسم الشاعر شربل بعيني في قائمة الشعراء المهجريين المبدعين، وانما كتبت، ونشرت على نطاق واسع، كي يقرأ أبناء العروبة في أستراليا، وفي بقية البلاد العربية، الانتاج الادبي الرفيع المستوى، في كافة ألوان الأدب والفكر، الذي يبدعه المغتربون، وفي مقدمتهم رئيس وأعضاء رابطة إحياء التراث العربي في أستراليا، الذين يعيدون مسيرة الرابطة القلمية في أميركا الشمالية، والعصبة الاندلسية في أميركا الجنوبية، وكأنهم في شعرهم ونثرهم وفكرهم امتداد لأولئك النوابغ الذين جددوا في الشعر والنثر، وأنشأوا مدرسة أدبية جديدة لا تزال أعمدتها عالية وشامخة وخالدة حتى الآن.
وليس الأديب كلارك بعيني الوحيد الذي نهج مثل هذا المنهج في خدمة الادب العربي ورفع رايته، ونشره في الساحة العربية، بل سبقه كثيرون من كتّاب العربية، وأرخوا للفكر والادب بأساليب ومناهج مختلفة، لأن رحاب أدبنا واسعة الارجاء، جزيلة الاخصاب، متعددة الالوان.
لقد كتب أدباء العربية في أستراليا عن شربل بعيني، الشاعر الفنان، الفصول الطوال، وكانت كلها أضواء خضراء مشرقة، لا سيما دراسة كل من الأدباء محمد زهير الباشا وكامل المر وبطرس عنداري، وبيّنت هذه الدراسات الكنوز الأدبية العربية الدفينة في أستراليا، وما يدور في هذا المجتمع من شؤون وشجون، وما يعتمل في داخله من نشاطات واتجاهات.
والادب تعبير عن رؤية الكاتب بما يدور حوله، إذ انه يشعر بها أكثر من غيره، ويعبّر عنها بصورة شفافة تنطبع في نفس المحيطين به، وتفرض آثارها على كل شرائح المجتمع.
وكل عمل أدبي يصبح صحيحاً ومشروعاً إذا صوّر جانباً واقعياً من الفترة التاريخية التي عاش فيها الكاتب، وتزداد أهمية العمل الأدبي بقدر رسوخ أصوله في وعي العصر الذي كتب فيه، وعلى قدر تصوير الكاتب لهذا المجتمع الذي يحيط به تصويراً فنياً غنياً في واقعته، يكون أثره وتأثيره في الترسيخ والبقاء.
والشاعر شربل بعيني يحتضن هذا الأدب، وينفق عليه بسخاء، ويعمل لنشره في الأقطار العربية، على الرغم من الغلاء الفاحش في الطباعة، وفي التوزيع، لأنه يعيش ليكتب لا ليكسب، وكأنه ينشد دائماً أغنية الشاعر الفرنسي بيرانجيه:
"أنا لا أحيا إلا كي أنظم أغاني
فإذا انتزعت مني مكاني، يا سيدتي
فإنني سأنظم أغاني كي أحيا".
وبهذا عبّر عن سقوط الشاعر إذا أصبح شعره بالنسبة له وسيلة لكسب المال.
وفي عصرنا هذا، سقط كثيرون من أساطين الشعر وفحول الكتّاب في هوة سحيقة، لأنهم غرقوا في وحول المادة، وسخروا أدبهم للتكسّب.
أخي كلارك، سلمت يداك التي كتبت، وتباركت روحك النيّرة التي أوحت.
الثقافة السورية، السنة 22، العدد 17، 5/5/1990
**
