حبيبي شربل

   في هذا اليوم، زالت كربتي، وانفرجت أساريري، وذهب عني القلق الذي لمّحت إليه في رسالتي الأخيرة للأخت سمر العطّار، بسبب انقضاء مدة زمنية طويلة على ارسالي كتابين مسجلين لك، واعتقادي باحتجازهما، ضارباً أخماساً بأسداس، ولكن وصول الطرد البريدي اليوم مع رسالتك التي توضح لي فيها عن وصول رسالتي اليك، قد أزال عني الحسبان والاستنتاج.
   أشكرك على هديتك "ألله ونقطة زيت"، قرأت المقدمة الرائعة التي كتبها سيادة المطران عبده خليفة رئيس الأساقفة في استراليا، وتتجلى فيها روح سيدنا ابن مريم، وتعاليم الناصري بدعوة البشر الى المحبة والتسامح والصلاح. وإن شاء الله، اذا وافق المسؤولون عن النشر، سأنشر هذه المقدمة، مع الاشارة الجديرة بالديوان الجديد، على أن يكون باسم رئيس أساقفة العرب في أستراليا، لأنني أسمو بهذا الحبر الجليل الى ما فوق الاديان والمذاهب.
   تنشقت في كتابك رائحة الله، وأعجبتني استشهاداتك بآيات من الانجيل والقرآن، وأقوال الرسل والأنبياء والأئمة، وهجومك على اليهود الذين صلبوا السيد العظيم، وكأنك تقضي ليلك في التعبّد والركوع أمام السيّدة العذراء، فإذا كان ذلك من أجل العبادة والخشوع فبوركت النفس النقية الطاهرة. أما إذا كان ذلك من أجل الاصلاح والخير والمحبة بين بني البشر، فبوركت الدعوة الصادقة الصالحة، وفي كلتا الحالتين كنت مجلياً، ولم يعد ينقصك سوى ثوب الكهنوت، وعصاة الاحبار الاجلاء، وعمائم مشايخنا الاجاويد، فتكون موزعاً بين كل الأديان السماوية، ودين الله واحد ولو تعددت المسالك.
   أنا أحب الله، جل جلاله، وأحب أن يكون الانسان أخاً للانسان، وأحب مجتمع المحبة والخير، وأن أعيش في مدينة الفارابي، ولكنني لا أهتم بالاديان، ولا أتمسك بها، متمثلاً بقول الياس فرحات:
أنت أخي ما دمت محترماً حقّي
آمنت بالله أم آمنت بالحجرِ
   حبيبي شربل..
   هذا بحث يطول، وجدل مطاط، يبدأ ولا ينتهي، فلنترك ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ولنعد الى موضوع اصدار الكتاب عنك بالاشتراك مع الأخ محمد زهير الباشا.
   أدعو لك من صميم قلبي أن تبقى بالصحة التامة، وأن تلاقي النجاح في عملك، وقد كرّست تعب يمينك وعرق جبينك لخدمة الأدب، وتعميم الثقافة، وإكساء الساحة الثقافية بالعطاء المبدع، وانارة الطريق أمام الضالين، وما أكثرهم، في كل مكان وزمان، وهذا الفيض الوافر من الانتاج الخالد خلال فترة زمنية قليلة يشير الى النبع الغزير الذي لا يتوقّف عن الدفقات العذبة.
   لقد قررنا، أنا والأخ محمد زهير الباشا، أن يكون الكتاب عنك برقم 11 من سلسلة "قبسات من الأدب المهجري"، ولقد بدأنا به، وأعتقد بأنه سيكون شاملاً، وان كنا نقتصر بالوصف والبيان، وأنت جدير بكل تقدير وثناء، ومواهبك يجب أن تصل بإبداعها الى أبعد مدى.
   لا شيء، يا أخي، يخلّد الانسان سوى هذا المداد الذي يكتبه على القرطاس، فهو يتكلّم باسم الانسان مدى الدهر، وينطق بلسانه، ما دامت الدنيا قائمة. لا بأس من التضحية بالمادة الزائلة في سبيل الخلود، ولكي تجد الأجيال الصاعدة صورة الماضي على مرايا صافية نقية.
السويداء في 17/3/1988 
**