الأخ الحبيب الاستاذ شربل بعيني المحترم
قبلات حارة واشواق لا يعلم مقدارها الا الله.
تلقّيت رسالتك الأولى وفي طيّها قصيدتك الأخيرة "أرض العراق.. أتيتك"، وقد قرأتها مرّات، وأعجبت بها إعجاباً شديداً، لأنك تسيّر كل البحور الشعرية الى المحور الذي ترنو إليه، كما يقود الربّان سفينته بمهارة فائقة، ويتجه بها الى اليم الهادىء على الشاطىء الآمن.
جمعت الخليلي مع السيّاب، ونازك الملائكة وادونيس ورشيد نخلة، في وحدة فنيّة متكاملة، تلتصق كل أجزائها وتتماسك، ولكل منها روعة، ونغمة، وحبكة، لا تستطيع أن تفرّق الواحدة عن الأخرى لشدة العلاقة الروحية بينها، كما أنك كنت بارعاً وناعماً، بعيداً عن الوخزات الظاهرة، محلّقاً في الافق البعيد، مجانباً الانواء والعواصف، داعياً الى وحدة الوميض في رؤياك البعيدة، تنعش ولا تخدش، تلامس وجنة الواقع كالنسيم العليل، ولقد كنت ناجحاً جداً في رسم الصورة، مجلياً في التعبير عن الحس العميق، وجاءت أقوال النقّاد تعزّز هذه الروعة، وتشيد بهذا الابداع، ولسوف أحتفظ بهذه الرائعة الى أن يحين الوقت الذي يبيح النشر.
ثم تلقيت رسالتك الثانية، قبل أن أجيبك على الأولى، وفيها مجموعة الصور عن حفلة توزيع الجوائز على أصحابها، وكذلك نسخة من جريدة صدى لبنان التي نشرت وصف حفلة توزيع الجوائز، وكذلك قصيدة الشاعر الكبير نعيم خوري، وقصيدتك الرقيقة المعبّرة عن أسمى المشاعر، وأصدق العواطف، والتي خصصتني بها بأربعة ابيات كالعطر من قارورة الطيب، يفوح بالشذى والعنبر، فإليك أوفر التقدير، وأغلى المحبة، وقد كتب الأخ أكرم المغوّش رسالة في وصف هذه الحفلة، سوف تنشر في صدر العدد المقبل من "الثقافة"، وكذلك قصيدتك، وقصيدة الأخ نعيم خوري.
انني احار كيف أوفيك وأجزيك، وقررت والأخ زهير الباشا إصدار كتاب عنك، في سلسلة "قبسات من الأدب المهجري"، على أن يكون صدوره بعد كتاب جورج شدياق من فنزويلا، وقد أغنيتني بمؤلفاتك، من شعر ونثر، وكذلك الاخ كلارك بعيني، الذي أقدر جهوده حق التقدير في كتبه عنك، ودراستنا عنك تختلف عن دراسة الأخ كلارك، وسوف نبدأ بها قريباً، لأن ديوان جورج شدياق جاهز لديّ، إنما الذي يحول دون صدوره أزمة الورق الخانقة، إذ أن جميع التآليف متوقفة عن الظهور الى النور بسبب انعدام الورق، والدولة تسعى جاهدة لسدّ هذا النقص. إما متى تنفرج الأزمة بالورق فعلمها عند الله.
لقد قضيت أربعة أشهر وأنا أعدّ كتابي عن الدكتور عبد اللطيف اليونس، الأديب والسياسي والصحافي في الارجنتين، وهو صاحب جريدة "الوطن" الارجنتينية، وتبلغ صفحاته 560 صفحة من القطع الكبير، ويحتاج الى 35 ماعون ورق. وتمّ تنضيده، وتصحيحه، وتهيئته، ولكن اصداره غير ممكن بسبب انعدام الورق. ومتى؟ لا أعلم.. وأنا في حيرة من أمري، وأتألم، وأسعى، وأكلّف شخصيات كبيرة مسؤولة للحصول على الورق، ولكن بدون جدوى، وما عليّ سوى الانتظار، وقد ألجأ الى بيروت لعلني أجد فيها الورق بسعر معقول.
أخي شربل، ما كنت أودّ أن أشركك في همومي ومتاعبي، ولكن الواقع المرير قادني الى وضع الصورة واضحة أمامك.
الأخ أكرم المغوّش تسلّم الجائزة عنّي، ولعله يرسلها لي في المستقبل، لأنها وسام رفيع جاد به علي اخوة أكارم أعزاء غمروني بفيض من الفضل والمحبة، وخلعوا عليّ ثوباً فضفاضاً من مكارم أخلاقهم، وحسن تقديرهم، وسوف أزيّن بها صدري، وأعمّر بها نفسي، وأكون سعيداً أكثر إذا تفضّلتم بإرسال شريط الفيديو الذي صوّر حفلة التوزيع، ليشاهده الأهل والأصدقاء والمثقفون في محافظة السويداء.
انهي رسالتي اليك بعبطة برازيلية أضمنها كل ما في صدري من شوق إليك.
السويداء 18/1/1988
**
