صدرت في استراليا دراسة موجزة لشعر الشاعر شربل بعيني، وهو من أبرز الشعراء العرب في المهاجر، بقلم الأديبة المعروفة الآنسة مي طبّاع، المغتربة في أستراليا منذ ست سنوات.
والأديبة مي خريجة جامعة دمشق، حيث تلقّت علومها فيها، وحازت على اجازة في آداب اللغة العربية بدرجة متفوّقة. وهي تنتمي الى أسرة كريمة مثقفة، ومن بيت عريق في الأدب والعلم، ابنة شاعر معروف هو حنا الطبّاع، مؤسس منتدى عكاظ الأدبي في الساحل السوري، والذي هزّت كلماته الهادرة ضمير الأمة العربية ووجدانها.
تميّزت المؤلفة بإجادتها في إلقاء الشعر العربي، فكم هزّت مشاعر الجماهير عندما تصعد المنبر، وكم نالت الجوائز التقديرية في محاضراتها المتعددة عن المرأة في المجتمع العربي، وكم قدّمت في البرامج الاذاعية من مساهمات فعّالة في تشجيع الحركة الأدبية في أستراليا، والحفاظ على التراث العربي الأصيل، كما كتب عنها الصحفي جوزف خوري على غلاف الكتاب.
هذه المقدمة كان لا بد منها، ليعرف القارىء العربي، ولو لمحة موجزة عن هذه الأديبة الكبيرة، التي أصدرت دراستها المتميزة عن شاعر عربي كبير، يغترب في أسنراليا منذ أكثر من أربعين سنة، وقد أصبح من الشعراء العرب البارزين الذين أعادوا سيرة جبران ونعيمة والقروي وفرحات وغيرهم من الرعيل الأدبي الذين رفعوا راية الأدب العربي في كافة انحاء المهاجر، وخلدوا لغة الضاد بكل ما فيها من جمال وفصاحة وبلاغة، وأبرزوا بمآثرهم الحضارة العربية وأصالتها وشموخها.
شربل بعيني أحد العباقرة العرب في أدبه وعطائه الوفي، ونهجه الجريء، في كل ما يعطيه من نثر وشعر، ومن اخلاص للعروبة والوطن، ومن تقديس للانسانية والمثل العليا.
والمؤلفة الأديبة مي الطبّاع، ذات باع طويل في دراسة الأدب العربي، وذات نغمة حلوة وصافية عندما تكتب عن أدب وعن أديب، فهي تحيط دراساتها بهالة من اشعاع تقود القارىء الى آخر المطاف، وتسبغ على أسطرها حلة مشرفة وجميلة، تضعها في قوالب أخاذة، وتنسجها من أعماق أعماق البحوث لكبار النابغين في المعرفة والاداب، من عرب واجانب، مما يدل على ثقافة عالية، وعلى مواهب متميزة، وعلى شمولية وافرة في البحوث والدراسات الأدبية في كافة اللغات العربية والاجنبية.
ان هذه الدراسة المكثّفة التي بلغت مائتين وخمسين صفحة من الحجم الكبير، قد جمعت بين أسطرها وصفحاتها سبعاً وسبعين صفحة كمقدمة للمؤلفة حول كافة الجوانب المضيئة من شعر الشاعر شربل بعيني، ثم أتبعتها بالقصائد لعدد من الشعراء العرب في المهجر الأسترالي، خلّد كل منهم الشاعر البعيني برؤيته، ومن وجهة نظره في ابداعه وعطائه.
وبعد أن ألمت الكاتبة بأكثر الاتجاهات الأدبية في الشعر المهجري، واسبابها وعواملها المتعددة، والتجارب التي عاشها الأديب في غربته، تنتقل الى وصف الأزمات الموجودة في العالم، من اجتماعية واقتصادية وسياسية وأدبية، وأن مرد هذه الأزمات هو الفساد وانعدام الديموقراطية والابتعاد عن الله، وفقدان الانسان لمعنى الحياة الحقيقي، وتقول ان التنافس بين أهل الفكر ليس عيباً بل إذكاء للقرائح وإثارة للنقد، فإذا جاء النقد بناء مخلصاً، حضارياً منفتحاً، حفظ أدبنا من التدهور، إذ أنه أصل الحياة.
وتقول الأديبة مي حول النقد الموضوعي: "من منا يعترض على النقد الموضوعي؟ بالطبع لا أحد. لقد جرى الحديث بين الشيطان وإيفان في رواية "الاخوة كرامازوف" للقصصي العظيم دستويفسكي، فقال الشيطان لايفان: يجب أن تشك وتجحد، فبدون الشك والجحود لا نقد، وبدون النقد كيف تنقّح وتهذّب؟ اذا توارى النقد لم يبقَ إلا أوصاف. وهذا لا يكفي، يجب أن نضع التقريظ والنقد في كفتي الميزان، ومع ذلك فما أنا الذي اخترعت النقد، لست أنا تيس الخطيئة. يجب أن انتقد لأن النقد أصل الحياة.
فالنقد ضرورة ملحة، ولكن ما نعترض عليه مدية الجزار.. فباسم النقد والحرية ننهال على الادباء والشعراء بالتجريح والتشهير الشخصي، ومرد ذلك غاية في نفس يعقوب، بينما النقد يكون للاعمال وليس للاشخاص، والناقد الحقيقي هو الناقد المطبوع منذ ولادته على النقد، ويملك ذوقاً وحساً نقديين سليمين، فلا أطنان الكتب تصنع منه ناقداً، ولا الجامعات تخرّج نقاداً. الا ان الناقد الموهوب تصقله المعرفة والمطالعة، فهو كالمرشد الامين والراعي المخلص، الذي يقود خرافه بمحبة وامانة يدور بهم من مرعى الى مرعى، فإن ضلّ أحدهم ركض وراءه ليعيده الى القطيع، ولكنه لا يفرض عليه ماذا يأكل، وماذا يشرب، فالطبيعة هي التي تعلمه مسيرة الحياة بتلقائية لا تفسير لها.
كذلك الشاعر، لا يمشي في تبعية أحد، ولا يفرض عليه موضوعه، فله ملء الحرية في اختيار الموضوع الذي يؤمن به، ليضيئه بعفوية وفرح، قال الناقد مارون عبود: الأديب هو تلك الشجرة التي يطعن جذعها فتدر عصارة يصنع منها السكر والشراب، انه يتألم ليسعد اخوانه، لنتركه يسمعنا تغريده ونواحه، فالطيور الفصيحة لا تقترح عليها الأغاريد. وليس في الادب الرفيع أدب لا يتصل بالحياة، ولكنه يتنوّع بتنوّع الحياة. فما تراه أنت بعيداً عن حياتك، فقد يكون في صميم قلب غيرك. ان الاديب لا يدل على واجبه، فالحياة التي تضج فيه، هي التي توجهه في طريقه لا نحن.
وقال ملتون: الذين يريدون توجيه الشعراء والأدباء لأنهم الطبيعة، فإنها قامت بواجبها وعليك أن تقوم بواجبك.
الخطر الفادح الذي يقع فيه نقّاد اليوم هو النقد العشوائي، وتعثّرهم بالحرف، وتحليل الكلمة تحليلاً كيمائياً علمياً فلسفياً، فيسقطون لأنهم يجهلون ما للبيان من أسرار.
كما ان اعتماد النقاد على النظريات الغربية وتطبيقها بشكل حرفي تعسفي، بعيد عن طبيعة أدبنا وشعرنا، إجحاف بحقهما، ولا سيما شعرنا القديم، الذي نحن بأشد الحاجة الى اعادة دراسته بمنهجية تنبع من تربته وذاتية طبيعته، لادراك كنه خصائصه، وتلمس مواطن الجمال والابداع فيه.
وما يصح قوله في الشعر القديم نقوله أيضاً بالشعر المعاصر، فتطبيق المذاهب العربية في دراسته، أبعدتنا عن فهمه واستيعابه أشواطاً، وأغرقتنا في التعقيد، كأنه يؤمن بأن عملية التفاعل الثقافي الهادفة الى تكامل الفكر الانساني هي ضرورة لا بد منها.
فباسم التطور والحضارة نبيع القدس والعروبة، نتمغرب ونلحق بركاب النظريات الغربية المفسدة المتعبدة للعقل والعلم والمادة.
وتواصل الاديبة الطبّاع معالجة الكثير من قضايا المجتمع، وكيف يجري الانحراف باسم المساواة ونشر الثقافة، وكيف يتاجر المدعون بالكلمة، وكيف تكون رسالة الادب في الانارة والهداية وبث الوعي، ونشر الخير والفضيلة، والتمسك بمكارم الاخلاق، وتكريس المثل العليا في كل مجاري حياتنا.
وتصف بدقة ورقابة المناهج السليمة التي اتخذها الشاعر شربل بعيني قاعدة لفكره وطرحه وايمانه بالمبادىء الانسانية، كما عرفته الكاتبة، هزاراً غريداً، ونفحة غربية متوقد، ونغمةشعرية صافية فريدة متوقدة، ونغمة شعرية صافية فريدة. وانه شاعر حقيقي ، موهوب، أصيل، صوت حق مجلجل، ملأ دنيا المهجر، وزرع في كل روض زهراً حلواً، عطّر أجواء المغترب بمسك أريجه وعنبره.
البيرق، العدد 960، 11 ايار 1995، نقلاً عن الثقافة السورية
**
