سبق للأديب المعروف الاستاذ محمد زهير الباشا ان كتب في عام 1988 دراسة أدبية متميّزة عن الشاعر المهجري شربل بعيني المغترب في أستراليا، على أثر إصدار ديوانه الشعري الثاني عشر بعنوان "ألله ونقطة زيت".
وصدرت هذه الدراسة بعنوان: "شربل بعيني.. ملاّح يبحث عن الله"، بكتاب مستقل طبع ووزع في أستراليا، وفي عدد كبير من الأقطار العربية، وبلغت صفحاته 176 صفحة من القطع المتوسط.
جاءت الطباعة الأنيقة والتنضيد الجميل، والتبويب الفني المبتكر، بالاضافة الى المحتوى الرائع، والاسلوب الدراسي الادبي الرفيع المستوى، لتسبغ على هذا الكتاب قيمة جمالية، وتجعل القارىء العربي ينهل من الأدب العربي في أستراليا كما نهل من قبل من أدب المهجريين الأوائل في الأميركيتين، ويؤمن بأن هذه النخبة من الأدباء والمفكرين في أستراليا تثبت هويتها الأدبية وتضع أقدامها على الطريق بعزم وايمان وتفوّق لتعزيز هذه الهوية.
قال محمد زهير الباشا عن أدب المهجر:
"تسابيح قلب على كوكب هذا الكون..
جمع الغربة في كأس كان مَواجُها ترنيمة عذاب وترتيلا..
مناخه جديد جوهره الصدق،
ظاهرته حب يجابه طغيان الزعامات،
بيادره قمح نقي مزروع في عيون الفقراء،
والشاعر شربل بعيني:
يحارب المجزرة بضمير ومثالية،
يفتت سيف شهريار بصبره ومروءته،
يمتلك الحق في رؤيته الفنية،
وتبدو صوره الشعرية لخير البشرية،
ويتعمّد الانسان وحده في صِلاته بالله،
وصَلاته لرب الاكوان".
لقد قدّر الشاعر شربل بعيني وأبناء قريته مجدليا اللبنانية المقيمين في أستراليا، وأقروا اقامة حفلة تكريم للأديب محمد زهير الباشا، وعيّنوا موعد الحفلة في 30 حزيران 1989، وأطلقوا على هذا اليوم اسم: "يوم محمد زهير الباشا"، وأصدروا وصف هذا اليوم وما قيل فيه من خطب وقصائد واحتفالات فنية، من رقص وموسيقى، في كتاب خاص طبع في أستراليا، بلغت صفحاته مئة صفحة من القطع المتوسط، وأدرجت فيه الكلمات من شعر ونثر والرسوم المتعددة للمهرجان.
وكتب مقدمة الكتاب في وصف هذا المهرجان الأدبي الاستاذ انطونيوس بو رزق، ومنها يطّلع القارىء على تفاصيل هذا المهرجان، قال:
"30 حزيران لا أدري ماذا أسميه، أهو يوم الأديب محمد زهير الباشا أم يوم المغترب اللبناني في أوستراليا؟
والحق.. انه يوم الاديب الباشا، ويوم الشاعر شربل بعيني، ويوم المغترب الأوسترالي، انه يوم الادب والشعر.
فكل اجتماع باسم الحرف مساهمة في وضع حجر في بناء الانسانية في كل زمان ومكان ولغة.
30 حزيران.. يوم الادب المهجري في استراليا، كان عرساً رائعاَ، تعانقت فيه الكلمة والنغم والصوت، فارتاحت له العين واستهواه القلب، وهفت اليه المشاعر والحواس.
30 حزيران.. يوم لن يدخل متاهات الذاكرة ليصبح مجرد ذكرى، بل ليبقى ابداً شعاعاً ينير المستقبل، وحافزاً للعمل الجاد والبناء لاستمرارية الحرف وتألق الكلمة.
ان الادب المهجري هو وليد جهود وتضحيات جمة، مادية ومعنوية، ورغم العقبات والصعوبات، استطاع ان يكمل مسيرته، ولو بخطوات بطيئة، وان يكوّن شخصيته، الى حد ما، ويحقق بعضاً من ذاته.
واذا كان ادب المغترب، وخاصة الاميركي الشمالي منه، في النصف الاول من هذا القرن، قد طبع الادب العربي الحديث بطابعه، واثر بمبادئه ومفاهيمه وموضوعاته، فان ادبنا المهجري الاوسترالي ما برح يضع قدمه على الطريق بغية اثبات هويته في عالم الفكر والادب.
ولا ابالغ اذا قلت ان الشاعر شربل بعيني يحتل طليعة الذين ساهموا في ارساء اساسات الادب المهجري، فقد استطاع شعره ان يطوي المسافات ويحطم الحدود ويصل الى البلاد العربية عامة ووطنه الام خاصة، وان تشغل مؤلفاته حيزاً مهماً بين اخواتها المقيمات، فانبرت الاقلام، المقيمة منها والمغتربة، تتدارسه وخير شاهد على ذلك الاديب محمد زهير الباشا الذي احتفل بيومه في 30 حزيران تكريماً من اهالي مجدليا المقيمين منهم والمغتربين على دراسته القيّمة "شربل بعيني: ملاح يبحث عن الله" التي تعد باكورة الاهتمام الفعلي والجدي بأدبنا المهجري الاوسترالي.
لقد كان يوماً ادبياً مهجرياً بكل معنى الكلمة، حيث ضاقت صالة "تاون هول" غرانفيل، على وساعتها، بحشد غفير فاق كل تقدير وتوقّع، كما حضرته ايضاً غالبية الوجوه الادبية والفنية والصحفية والاجتماعية من ابناء الجالية، كذلك نقلت بعض وقائعه اذاعة الـ تو اي آي المتمثلة بالسيدة ماري ميسي.
وميزة 30 حزيران كونه يوماً متعدد الجوانب بما يلائم سائر الميول والاذواق، فمن مهرجان ادبي وشعري الى موسيقى وغناء وتمثيل، الى معرض لنتاج الادباء والشعراء المحليين، وآخر للوحات فنية رائعة للفنانين والفنانات، جورج يمين، رنده عبد الاحد، تجمع المسنين العرب، انور يوسف، نجوى عاصي، سايد الحايك، اضافة الى عرض نماذج تنمّ عن تقنية عالية لمطبعة "راليا برس"، كما قام الاستاذ سليم الزبّال بالعرض الاول لبعض مقتنيات مركز المعلومات والدراسات العربية في اوستراليا، ونماذج لاكثر من 74 جريدة ومجلة عربية صدرت في اوستراليا مع كشف باسمائها.
ورغم غياب الاديب الباشا عن يوم تكريمه، فقد كان حاضراً من خلال الرابط الادبي والشعري الذي يجمع كل اديب او شاعر في العالم بنظيره، بغض النظر عن تشعّب المدارس الادبية واختلاف النظرة الى الامور والقضايا الانسانية.. ومن خلال تمثيله الرسمي بالاستاذ فؤاد نمور الذي القى كلمته".
افتتح المهرجان السيد الياس ابي خطار، مختار بلدة مجدليا، ثم تتابع على منبر الخطابة الادباء والشعراء: كلارك بعيني، أكرم المغوّش، أنطونيوس بو رزق، جميل م. الدويهي، جوزاف بو ملحم، راشد الحلاب، زين الحسن، عصمت الايوبي، عصام ملكي، فؤاد نعمان الخوري، كامل المر، نعيم خوري وفؤاد نمور.
وشارك في المهرجان، اضافة الى كلمات الادباء والشعراء، مطربون مع فرقهم الموسيقية وفرقة مدينة الشمس.
ثم أعلن الاستاذ فؤاد نمور ان رابطة احياء التراث العربي في أستراليا منحت الاديب الكبير محمد زهير الباشا جائزة جبران الادبية تقديراً له لجهوده الجبارة في حقل الادب عامة والمهجري بخاصة.
وقد استمر هذا الاحتفال مدة تزيد على اربع ساعات.
الثقافة السورية، السنة 33، العدد 6، 10/2/1990
**
