نفحة مهجرية: دعوة الى الجنون

   تنكبّوا سلاح الاغتراب، ومضوا الى أقاصي المعمورة يخوضون معركة الحياة، فما شغلتهم قسوة التجربة في ميادين النوى، ولا صعوبة الكفاح في سبيل العيش الأفضل، ولا أكاليل الفوز والنصر، وغزارة المادة، وبهرجة المجتمع، والضوء الجديد الباهر عن أن تظل قلوبهم مشدودة النياط الى الوطن الاول والأهل، وأن تظل نفوسهم ملتصقة بالأرض الطيّبة، التي حضنوها بأهداب العيون، وسقوها من عصارة القلب والروح.
   لم ينسوا الاخوة الاحباء، ومرابع الصبا، ومطارح العزة، وسحر اللغة، فتسلّقوا أعمدة الشجرة النامية في بحور الشوق الى الوطن، وأخذوا يغرّدون كالبلابل في صبحهم ومسائهم، ويحومون كالنسور، في علوهم وهبوطهم، ويرسلون الألحان الشجية الممزوجة بالألم والمرارة.
   شرارات نارية كانت تخرج من النفوس، كأنها خيوط تطل على أرض الآباء والأجداد في لبنان، تبعث فيها المحبة والوفاق. 
الأرض في القلب.
ودفقات من الحنين والشوق، تتزاحم على جسور الوطن، لترأب الصدوع، وتلملم ما انفرط من العقود، وتعيد الى الأهل وحدة القلب والأرض.
الوطن في بؤبؤ العين.
   منذ الأزل، تعانقت فيه قباب الجوامع والكنائس، وتناغمت في سمائها أصوات المؤذنين مع أصوات النواقيس، وشعاره "الدين لله والوطن للجميع".
   ولم يكن الشاعر الرقيق شربل بعيني، ابن لبنان البار، المهاجر الى أستراليا، إلا واحداً من تلك البلابل المغردة، التي خطت بأجنحتها الارجوانية على أغصان شجرة العروبة الشامخة في المغارس الاجنبية، يزفرون ويتألمون، وترى أوراق هذه الشجرة تتساقط الواحدة تلو الاخرى، على ارض ممزقة تئن من جروحها، وتندب أبناءها المتخاصمين المتباعدين.
   وصوت الشاعر العربي هو صوت الأمة وضميرها.
   هو نفحة علاء، وثورة شرايين، وصرخة حق.
   هو لهيب النزوح المستعر، وصدق التوجّع والغربة.
   وأطل الشاعر شربل بعيني على أرض الوطن، يحمل ريشة فنان، ويراعة ابداع، وكلمة حق، فرسم لوحة الارض الممزقة، وحمل اليها شوقه وحنينه، وأسند رأسه الى حضنها، وخاطب الذين شوّهوا الصورة، وتحالفوا مع الشيطان، بأن مصيرهم الى القبر، ومن القبر الى البحر..
   هل يفقهون سر الألم الكامن في هذه القصيدة الرائعة التي تنضح سماً مذيباً: "دعوة الى الجنون"؟.
   هل يعرفون كيف يعودون الى رشدهم؟
   فصرخة الشاعر هي صوت الأمة، ودمعة الشاعر هي دمعة الأمة، وايمانه هو ايمان كل ذي ايمان.
   ان الفجر يشرق من خاصرة الليل..
   والامل يطل من أنات الجريح..
   والى الشاعر شربل بعيني تحية الفجر والأمل، وبسمة الأرض والوطن.
الثقافة السورية، العدد 23، السنة 22، 6/9/1986
صوت المغترب، العدد 910، 6/11/1986
**